مؤيد الدين الجندي
509
شرح فصوص الحكم
قال - رضي الله عنه - : « فالحاكم في التحقيق تابع لعين المسألة التي يحكم فيها بما تقتضي ذاتها ، فالمحكوم عليه بما هو فيه حاكم على الحاكم أن يحكم عليه بذلك ، فكل حاكم محكوم « 1 » بما حكم به وفيه ، كان الحاكم من كان . فتحقّق هذه المسألة ، فإنّ القدر ما جهل إلَّا لشدّة ظهوره ، فلم يعرف ، وكثر فيه الطلب والإلحاح » . يعني - رضي الله عنه - : أنّ الحاكم الحكمية « 2 » إنّما يحكم - كما ذكرنا - على المحكوم عليه بمقتضى حقيقة المحكوم عليه ، ولا يقدّر له إلَّا على قدره وبقدره من غير زيادة ولا نقصان ، ولا تتعلَّق القدرة إلَّا بالمقدور بحسب قدره ووسعه لا غير ، فالحاكم محكوم حكم المحكوم عليه بما يقتضيه ، وقضاؤه عليه تابع لاقتضائه ، أعني : قضاء الله المقضيّ عليه بالمقضيّ به بحسب اقتضاء المقضيّ عليه من القاضي أن يقضي عليه بما اقتضاه لذاته لا غير ، وهذا ظاهر ، بيّن الوضوح ، ولشدّة وضوحه ذهل عنه وجهل به وطلب من غير موضعه ، فلم يعثر على أصله وسببه ، وليس فوق هذا البيان في سرّ القدر بيان إلَّا ما شاء الله الواسع العليم ، علَّام الغيوب ، وعليه التكلان وهو المستعان . قال - رضي الله عنه - : « واعلم : أنّ الرسل صلوات الله عليهم - من حيث هم رسل ، لا من حيث هم أولياء وعارفون - على مراتب ما هي « 3 » عليه أممهم ، فما عندهم من العلم الذي أرسلوا به إلَّا قدر ما تحتاج إليه أمّة ذلك الرسول ، لا زائد ولا ناقص . والأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض ، فيتفاضل الرسل في علم الإرسال بتفاضل أممها ، وهو قوله - تعالى - : * ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) * « 4 » كما هم أيضا فيما يرجع إلى ذواتهم من العلوم والأحكام متفاضلون بحسب استعداداتهم ، وهو قوله : * ( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ) * « 5 » .
--> « 1 » في بعض النسخ : عليه . « 2 » كذا . والظاهر : الحكيم . « 3 » ضمير مبهم يفسّره « أمهم » . « 4 » البقرة ( 2 ) الآية 253 . « 5 » الإسراء ( 17 ) الآية 55 .